مفاهيم إشكالية في الوعي الإسلامي المعاصر في الحب والحب الإلهي (4) – العشق الصوفي

هل كان شمسُ تبريزي إسماعيليًّا؟

خالد محمد عبده  تعبّر كلمة الباحث والمترجم محمد علي موحدّ بصدق عن عدم التفات الدراسات العربية المعاصرة إلى شخصية شمس تبريزي، على الرغم من الشهرة التي تحققت للرّومي وشمس باجتماعهما معًا، فلم يُعرف الرومي قبل شمسٍ إلاّ شيخًا وواعظًا متابعًا للتقليد الصوفي في عصره، متأدّبًا على نهج الصوفية السابقين، متلقّيًا العلم كأبناء عصره، دارسًا للشريعة، مربّيًا للمريدين. كذلك لا نعرف عن شمسٍ سوى النزر اليسير قبل لقائه بالرومي، وعثوره على ما كان يبحث عنه؛ إذ (كان المطلوب لستة عشر عامًا ينظر في وجه المحبوب، فأدرك الطالب بعد خمسة عشر عامًا أنه جديرٌ بالاهتمام). ولا ريب أن قلّة المعلومات عن شمسٍ كانت سببًا فيما اكتنف تلك الشخصية من غموض وإبهام؛ مما جعل الدارسين يخلطون بين شخصيات عدّة تحمل الاسم نفسه، وينظر إليها بعين التقديس من قِبل المحبين، فصار شمس مرة صوفيًّا ومرة إسماعيلي المذهب والعقيدة، مستترًا ممارسًا للتقية، ومرةً سنّيًا شافعيًا، ومرة يُذكر باعتباره أنموذجًا للتحول المذهبي، وتغيب ملامح الشخصية وسط هذا الكمّ من التخمين. سنتناول في هذه الورقة حقيقة شمس تبريزي ومذهبه، وتدخل هذه المسألة ضمن اهتمام الباحث بالتلقّي العربي للرومي والمولوية، كما كانت المدرسة المصرية تفعل في بدايات القرن المنصرم، وتابعها في عملها أساتذة أجلاء من سوريا والعراق والأردن وغيرها من البلدان العربية. ولأن الدرس الغربي المبكر صوّر شمسًا في صورة أسطورية، اعتمادًا على بعض المعلومات الواردة عند أفلاكي وجامي، رأيت أن أعرض لآراء طائفة من المستشرقين، ومن هنا تمر الدراسة على رأي نيكلسون وبراون ووليم تشيتيك وفرهاد دفتري وغيرهم. ثم تختار أنموذجًا لمن كتبوا عن شمس بالفارسية العلامة فروزانفر المحقق لأعمال الرومي، وعطاء الله تدين، من المعاصرين ممن تلقى كتبهم رواجًا في إيران وتحمل نزعة قومية ظاهرة، وتلا هذا الأنموذج الذي يتبنى المذهب الشيعي، أنموذج لمقاربة أخرى تناولت الرومي والمولوية مرتكزة على الخلفية السياسية والأيديولوجية من جهة، وعلى العلم الحديث من جهة أخرى، وهي مقاربة العراقية إحسان الملائكة، ثم ناقشت رأي الإسماعيليين العرب في شمس تبريزي. شمس تبريزي في مرآة الدرس الاستشراقي مَنْ ذلك الرجل الذي تولّى تغييرَ الروميّ تغييرًا تامًّا؟  ليس لدينا الكثير الذي نعرفه عنه، والحكايات التي حيكت حوله تظهره كشخصية قويّة جدًا وعلى قدر هائلٍ من الاعتداد الرّوحي؛ وقد طوّف في بلدان الشرق الأدنى بحثًا عن شيخ. ولم يستطع أحدٌ، من صوفية ذلك الزمان، أن يكون في نجوة من نقده اللّاذع. ويذكر هو نفسه في «مقالاته» أنه كان في وقت من الأوقات مريدًا لشيخٍ كان قد انصرف عنه أخيرًا: (كان فيَّ شيء لم يبصره شيخي، وعلى الحقيقة لم يره أحد قط؛ لكن سيدي مولانا رآه). تلخّص كلمة المؤرخ التركي عبدالباقي كَلبينارلي للرومي والمولوية ما يعانيه الباحث حول هذه الشخصية من ندرة المعلومات عن شمس؛ وتطوافه وانتقاله في بلدان العالم الإسلامي، وقلقه واضطرابه، ونقده اللاذع للفقهاء والصوفية والعلماء السابقين، وتوقه للحصول على ما يشبع روحه الطامحة لعرفان وتصوف يختلف عما هو سائد في عصره. وقد نبّهت المستشرقة الألمانية أنّا ماري شيمل في آخر دراساتها «الشمس المنتصرة: دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي» من مغبة الخلط بين (شمسين)؛ إذ يعرف أهل الهند شخصاً آخر بالاسم نفسه ينتسب إلى الطائفة الإسماعيلية، فيرتبط جلال الدين الرومي وشيخه الروحي شمس الدين التبريزي بتقليد روحيّ آخر: في مدينة مُلْتان، ضريحُ شخصٍ اسمه شمس تبريزي هو مزارٌ للمؤمنين. وفي أيّ حال، ينتمي البناء البسيط المزخرف بالآجر الأزرق والأبيض مع سَرْوٍ زيني إلى المبشّر الإسماعيلي الشهير (شمس تبريزي) بمرتبة أحد الشيوخ الخمسة «بنج بيري» ، وهم مجموعة من خمسة أولياء ظلّوا زمنًا طويلاً محلّ توقير كبير في أجزاء من الهند خصوصاً في وادي السند. ويعرفُ أدبُ السّندِ، الذي يخلط دائمًا بين معشوق الرومي والمبلّغ الإسماعيلي أساطير كثيرة حول شمس تبريزي. لكنها تقطع بأنه على أية حال لا يمكن اعتبار شمس الإسماعيلي هو (شمس الرّومي). يصف المستشرق الإنجليزي رينولد ألين نيكلسون (1868-1945)  شمس تبريزي من خلال مطالعاته الأولى في ديوان شمس للرومي، بأنه شخصية غامضة تتدثّر بلبّاد أسود خشن، تضوي لحظة قصيرة على مسرح الحياة ثم تختفي فجأة وفي سرعة فائقة، والمعلومة التي من خلالها يرتبط اسم شمس بالإسماعيلية، هي التي ترد على لسان نيكلسون بصيغة المبني للمجهول! يُقال: إنه من أبناء (جلال الدين) المُلقّب بلقبِ (نو مسلمان = المسلم الجديد) الذي كان زعيمًا للحشاشين. ويضيف نيكلسون قائلاً: «إنه كان إلى حدّ ما أميًّا، ولكنه امتاز بحماسٍ روحيٍّ شديد، مصدره الفكرة التي استولت عليه فجعلته يتخيل أنه مبعوث العناية الإلهية، وقد استطاع بواسطة ذلك أن يسيطر على كلّ من قدم عليه أو دخل في مجلسه. وهو من هذه الناحية، ومن نواحٍ أخرى تتصل بحبّه المتّقد، وفقره المدقع، وموته العنيف، شبيه كل المشابهة بالفيلسوف (سقراط)، فكلاهما استطاع أن يفرض نفسه على أذكياء الناس بقدرته على تصوير أفكارهم البسيطة في تعبير فنيٍّ رائع، وكلاهما استطاع أن يكشف لنا عن خطل العلوم الظاهرة، وعن شدة حاجتنا إلى التثقيف والتنوّر وعن قيمة الحب في حياتنا، وأن الانفعالات الشاردة والتحديات الجاهلة للقوانين الإنسانية، إنما تؤدي إلى فقد (الاتزان العقلي) و(السمو الأخلاقي) اللذين هما مقياس التمييز بين الحكيم والمريد»....

Page 1 of 18 1 2 18

أحدث المواضيع

Login to your account below

Fill the forms bellow to register

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.