new-dec-5
December 5, 2017 - 11:18

مذبحة الروضة هل العنف ضرورة إسلامية عبدالجواد يس

*عبدالجواد يس

القتل الجماعى للمصلين داخل مسجد ليس حدثاً جديداً في سلوك الجماعات الإسلامية، ولكن حجمَ الوحشيةِ في حادثِ الروضة يلفتُ النظر من جديد إلى ضرورة التعاطي الجذري مع المسألة الأصولية، وقضية العنف الإسلامى؛ لماذا تبدو الأصوليةُ الإسلامية في الوقت الحاضر أكثرَ عنفاّ ووحشية من مثيلاتِها في السياقات الدينية والإيديولوجية الأخرى؟ من أين ينبع العنف الأصولي أصلاً؟ هل هو ظاهرةٌ  “إسلامية”  خاصة، أم ظاهرةٌ “دينية” عامة، أم ظاهرة “اجتماعية” محضة لا علاقة لها بالدين؟

    بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لاحظَ المفكرُ الاجتماعيُ الألماني هابرماس أن الأداء الأصولي كما كشفت عنه هذه الهجمات، لا يشير إلى مجرد عنف، بل يعبر عن حالةٍ فجةٍ من اللاعصرية، أو عدم الانتماء لمحركات فهمٍ وتصور راهنة، فهو أشبه بقصةٍ من التاريخ الغابر نسبةً إلى دوافعه، ويلفت إلى شرخ هائل بين الثقافة والمجتمع والزمن … تبدو الحداثة كنقيضٍ طبيعى للأصولية الدينية يستفز المعنى السلفي الماضوي فيها، ويستنفر قابليات العنف الكامنة في صلب الدين التاريخي.

    يتجاوز هذا الطرح حدود القراءة السياسية المباشرة للأصولية، وهى نوعية القراءة الشائعة التي تفسر الظاهرة كرد فعلٍ مباشرٍ لمعطياتٍ معاصرةٍ في الواقع الاجتماعي (السياسي/الاقتصادي)، ولا تعوِّل كثيراً على بنيتها الأصلية كفعل ديني، ينبع بالأساس من خلفية اعتقادية صادرة عن مدونة نصية وفقهية مكتوبة؛ فهو يقدم قراءة مزدوجة تقف على البعد السياسي الاجتماعي المعاصر للظاهرة، بما هي رد فعلٍ نقيضٍ للاستفزاز الحداثي، مع التنبه في الوقت نفسه إلى بنيتها الذاتية الماضوية بطبيعتها، والتي تنطوي على قابلياتٍ كامنةٍ لتوليدِ العنف.

    اشتغل هابرماس على إشكالية العلاقة بين الدين والحداثة، واعتقد دائماً أن المصالحة بين الدين والعلمانية ليست ضروريةً فحسب، بل هي أيضاً ممكنة، بشرط تقديمِ تنازلاتٍ متبادلة تكفل تحقيق فعل تواصلي بين الطرفين؛ هنا كان هابرماس بالطبع يستحضر تاريخ التجربة المسيحية في الغرب، التي انتهت إلى حالة من التعايش النسبي بين الدين والعلمانية، حيث استطاعت الكنيسةُ استيعابَ الضغوط الحداثية الهائلة التي فرضها قانونُ التطور، والتي أجبرت الكنيسة على التنازل عن صلاحياتها التقليدية الواسعة في المجال العام (السياسي/التشريعي/الثقافي) وتقليص سلطتها في المجال الخاص.

    لكن المعنى الإشكالي في علاقة الدين بالحداثة يظلُ حاضراً من جهة السياق الإسلامي، وهو يختلف عن السياق المسيحي في هذا الصدد من جوانب ثلاثة:

1 – ضعفُ وتيرة الضغوط الحداثية (الهياكل الاقتصادية/الاجتماعية/العقلية، لم تصل إلى حد التطور الجذري اللازم لفرض التنازل على النظام الديني، وإن كان كافياً لتوليد حالة من التوتر في صفوفه)

2 – عدم وجود “مؤسسة” جامعة تمثل الديانة، وتؤدي -كما فعلت الكنيسة المسيحية- مهمة التعاطي مع الضغوط الحداثية (غياب المؤسسة أفضى إلى عشوائية تمثيل الديانة من قبل الجميع، وفتح الباب لحضور الجماعات الأصولية للتحدث باسمها، بدعوى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)

3 – بنية الديانة الموروثة عن المدونة الفقهية (حيث يدخل التشريع والسياسة في صلب الدين الملزم).

    هذه الفوارق الثلاثة تشرح الاختلاف النسبي بين الأصوليات الإسلامية المعاصرة ومثيلاتها في المسيحية الغربية، التي تبدو أقل عنفاً بوجه عام؛ وفي هذا السياق يصح النظر إلى الأصوليات المسيحية بما هي رد فعل لحداثة “متحققة”، وإلى الأصوليات الإسلامية بما هي رد فعل لحداثة “وشيكة”، ولذلك يمكن فهم التفسيرات الغربية التي تقرأ الظاهرة الأصولية، تحت عنوان “عودة المقدس”، كفعل هجومي مضاد للحداثة، في إطار فكرة الأزمة (أزمة النتائج السلبية للحداثة خصوصاً على مستوى الوعي الروحي وتوازن الذات)، فيما يمكن قراءة الأصولية الإسلامية، من أحد جوانبها، كفعل دفاعي مضاد للحداثة، في إطار أزمة مختلفة (أزمة المرحلة الوسطى أو مرحلة الانتقال السابقة على الدخول في الحداثة، مع ملاحظة أن التأثيرات السلبية للأزمة الأولى تلقى بظلالها جزئياً على الأزمة الثانية، بفعل الاحتكاك الثقافي المعاصر، ما يضيف إلى السياق الإسلامي أبعاداً أكثر تعقيداً).

    يستند العنف الأصولي الإسلامي إلى تأصيلات مستمدة من المدونة المرجعية الموروثة، وهى تأثرت بالطبع بالمُناخات الخشنة للاجتماع القبلي العربي في القرن السابع، التي يصفها ابن خلدون بالوحشية، وهو ما يعطي الأصولية الإسلامية شيئاً من سماتها الخاصة، التي تبدو في السياق الراهن، قروسطية (نسبة للقرون الوسطى) وزاعقة.

    تتكون المدونة المرجعية من شقين:

1- النصوص.

2- منظومة الفقه الاجتهادي التي تكونت في عصر التدوين.

تاريخياً، خضعت النصوص لهيمنة المنظومة الفقهية، ليس من خلال صلاحياتها التفسيرية التي كرست فهمها الخاص للنص الأصلي داخل الثقافة فحسب، بل أيضاً عبر دورها الإنشائي في عملية التنصيص، التي أدت إلى تضخيم بنية النصوص، وبالتالي توسيع دائرة الإلزام الديني.

    ولذلك فالجانب الأكبر من المشكل يرجع إلى منظومة الفقه السلفية، التي فرضت على النصوص وصايتها التأويلية المحملة بثقافة عصر التدوين، أي بثقافة “القوة” المورثة من اجتماعيات الغزو القبلية، والمدعومة بحالة الانتصار والتمدد العسكري للدولة.

    ومع ذلك يبقى للشق النصي طابعه الإشكالي في خصوص مسألة العنف؛ فالنصوص حتى بعد تجريدها من وصاية الفقه التأويلية، تظل محمَّلة بمفاهيمَ خصوميةٍ ذات إيقاع هجومي موجهة إلى الآخر الديني، الذى عليه الاختيار بين الدخول في الدين أو التعرض للقتال والقتل، وهو معنى لا يجوز إسناده إلى المطلق الإلهي، بسبب تعارضه مع المعنى الاختياري الأخلاقي للإيمان؛ وهنا -حيث لايكفى التأويل لرفع التناقض- تبرز ضرورة القول بان النص يحتوي -إلى جوار المطلقات الثابتة- على أحكام خاصة بسياقات نزوله التاريخية، ومن ثم فهي نسبية قابلة للتغير، ما يعنى أن ورود الوقائع في النص لا يحولها إلى قيم مطلقة، وأن النصية ليست مرادفة دائماً للإطلاقية؛ ويقتضى ذلك تغيير التفكير التقليدي في مفهوم النص، وهى عملية صعبة بمقاييس النمط الحالي للتدين الإسلامي، ولكنها لازمة لتفادى تعريض النص ذاته لمشكل المصداقية، ولفتح الباب أمام تناول جذري لإشكاليات التوافق مع قوانين التطور والتعدد، بما في ذلك إشكالية العنف.

    من هذه الزاوية تبدو الأصوليات الإسلامية العنيفة متناغمة مع مصادرها المرجعية في رؤيتها لمفهوم النص، التي انتهت إلى تغليب الفرعي التفصيلي بطابعه الاجتماعي النسبي، على الأصيل الكلي بطابعه الاخلاقي المطلق، وكلاهما حاضر في النص.

    على ان المدونة المرجعية بشقيها تظل تنتمي بنيوياً إلى نسق التدين التوحيدي العام، الذى دشنته التجربة العبرية عبر تاريخ سياسي خصومي، بل صراعي بالغ العنف والطول، وينطوى هذا النسق على معضلة نظرية مزدوجة، تجعل العنف الأصولي نتيجة ضرورية مرشحة للتوالد بشكل دوري، في ظل توافر ظروف اجتماعية تاريخية مواتية.

    الشقُ الأول من المعضلة يكمن في التناقض مع قانون “التعدد” الطبيعى، الذى يفرض الكثرة والتنوع، مقابل الرؤية اللاهوتية الواحدة، التي تفرضها كل ديانة باعتبارها الممثل الحصري الوحيد للمطلق.

    الشق الثاني يكمن في التناقص مع قانون “التطور”، الذى يفرض تغير الأحكام المتعلقة بتفاصيل الواقع الاجتماعية، مقابل الرؤية الفقهية التي تفرض تثبيت هذه الأحكام كتكاليف مؤبدة، بحجة ورودها في النص، الأمر الذى يهيّئُ في لحظة ما لصدام ضروري مع حركة الاجتماع المتغيرة بطبيعتها.

    في الحالتين يعمل المفهوم التقليدي للنص على تكريس التناقض من خلال تحصينه بقوة الإلزام المقدسة المسندة إلى الله.

    المثيراتُ السياسية المعاصرة تلعب دورها في تلوين العنف الأصولي بألوان الواقع الاجتماعي المأزوم في المحيط العربي الإسلامي، ولكنها لا تفسر نشأته الأصلية، وحضورَه المتكررَ في جميع السياقات الدينية داخل النسق التوحيدى، ما يلفت إلى الثقافةِ المشتركة داخل هذا النسق، المدعمةِ نصياً على مستوى كل ديانة.

    العنف الأصولي ظاهرةٌ دينية أولاً، وإسلاميةٌ ثانياً، أما كونه ظاهرة اجتماعية سياسية فتحصيل حاصل، لأن كل ما هو ديني يتجلى دائماً داخل الاجتماع.

*قاضٍ ومفكر مصري

إقرأ أيضا

  • ali-dec-207 قتل علي عبد الله صالح: وجبة دسمة تتخم الحوثيين
  • MCD-cover مونت كارلو تستضيف المشاركات في ندوة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة
  • uemen-mesbar القاعدة بعد مقتل صالح… عودة أم انكفاء؟
  • sara-almesbar-2017 الجهادية في أوروبا: عودة إلى أسلوب التجنيد التقليدي

إستفتاء

:يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تحجم التطرف وتتعايش مع أبناء الطوائف والاديان الأخرى إذا

أحدث المواضيع

2017.13.Dec

  • MCD-cover

    مونت كارلو تستضيف المشاركات في ندوة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة

    الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧
  • uemen-mesbar

    القاعدة بعد مقتل صالح… عودة أم انكفاء؟

    الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧
  • sara-almesbar-2017

    الجهادية في أوروبا: عودة إلى أسلوب التجنيد التقليدي

    الإثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧
  • img-2

    المستفيدون من اغتيال صالح

    الخميس ٠٧ ديسمبر ٢٠١٧