img-dec-6
December 6, 2017 - 12:33

التنظيمات المسلّحة اليمنية بعد علي عبدالله صالح

عبدالله حميد الدين*

قُتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح بعد حربه السابعة والأخيرة ضد الحوثيين، في الوقت الذي كان الجميع يظنُّ أنّه الطرفُ الأقوى واللاعب الرئيس في اليمن، والذي كان يُفترض أنّه يملك القاعدتين الشعبية والعسكرية، لفرض الواقع الذي يريده في شمال اليمن.

كنّا نفهم اليمن وما فيها من تفاعلات من خلال فهمنا لقُدرات علي صالح، وكُنّا نحلل قدرات صالح من زاوية مقوّمات قُدراته التاريخية: تحالفاته السابقة، البُنية الاجتماعية والقبلية والعسكرية السابقة، شعبيّته السابقة.

وإذا كان ثمّة درس يستفيد منه المحللون والمراقبون، هو أنّنا لا نفهم اليمن بشكل كافٍ، ولا نملك المعطيات التي تمكننا من التنبوء باحتمالات المستقبل، أو تسمح لنا باقتراح سياسات أو تدخلّات؛ لذلك فما أقوله هنا لا يتجاوز كونه تفكيراُ بصوت مرتفع حول بعض القضايا التي أقترح أخذها بالاعتبار، من قبل صانعي سياسات مكافحة الجماعات الإرهابيّة المسلحّة.

قبل خروجه من الحكم، لعب علي صالح دوراً أساسياً في تمكين التنظيمات المسلحّة في اليمن، وذلك بغرض توظيفها في صراعاته السياسية مع حلفائه من آل عبد الله الأحمر، وحزب الإصلاح، وعلي محسن الأحمر، بل تنافس مع حلفائه في دعم بعض قيادات القاعدة في المناطق الجنوبية من اليمن، وذلك لغرض ابتزاز الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من جهة، ومن جهة أخرى لإظهار نفسه وكأنّه الخيار الوحيد لمكافحة التنظيمات المسلحة الإرهابية، ومن جهة ثالثة لوصم خصومه بأنّهم رعاة الإرهاب وداعموه.

كان يعدّ خصومه المسلحّين مجرد ورقة يوظِّفها لتعزيز حكمه، ولم يعدّهم تهديداً على وجوده. وأستطيع التفكير بثلاثة أسباب لذلك:

الأوّل: أنّه لم يكن متمسكاً بفكرة الدوْلة بقدر ما كان حريصاً على سلطته الخاصة، فكرة الدولة تتناقض مع وجود جماعات مسلّحة ذات نفوذ، مهما كان ذلك النفوذ محدوداً. فكرة الدولة تعتبر أنّ السلاح الموجود لدى أي جماعة منظمة تهديداً كامناً وخطراً لا بد من التعامل معه. ولكّن الحفاظ على السُلطة قد يتطلب وجود جماعات مسلحة خارج الدولة، لأغراض توازنات ومنافسات، سواء كانت جماعات قبليّة أو تنظيمات إرهابية. علي صالح كان ينظر إلى التنظيمات المسلحة كما ينظر إلى القبائل المسلحة: هي تهديد إذا وجهّت السلاح إليه، وليست كذلك إذا وجهت السلاح إلى خصومه. يدعم القبيلة أو التنظيم، في الوقت الذي يدعم خصوم القبيلة أو التنظيم، في الوقت الذي يوجه سلاح الدولة ضد القبيلة أو التنظيم.

السبب الثاني المُحتمل: هو أنّ علي صالح كان يعلم كل العلم أنّ البيئة الاجتماعية اليمنية هي المحدّد الأساسي لديمومة أي تنظيم مسلح. عندما دعم القاعدة في المناطق الجنوبية من اليمن، كان يعلم أنّها ستنشط بسبب السخط الاجتماعي والسياسي ضد حُكمه، وأنّ القاعدة ستنتهي بمجرّد ما يتم معالجة ذلك السخط؛ بعبارة أخرى، كان يعلم أنّ البيئة القبليّة اليمنية بطبيعتها بيئة طاردة للأجسام الغريبة، وأنّ وجود أي جسم غريب هو وضع استثنائي ومؤقت، ويمكن استثماره إلى حين الاستغناء عنه.

السبب الثالث المحتمل: أنّه كان يدعم التنظيمات المسلحة، وفي الوقت نفسه يخترقها، بحيث يُمكنه التأثير عليها متى أراد، أو في حال لم يمكنه ذلك، فإنّه قادر على القضاء عليها بنفسه أو بالتعاون مع الولايات المتحدة؛ كان يفكر في كيفية القضاء على الجماعة المسلحة منذ اللحظات الأولى لدعمها تأسيساً أو انتشاراً.

ولكّن كلّ هذا بدأ بالتغيّر بعد خروجه من الحُكم.

البيئة الاجتماعية لا زالت طاردة للأجسام الغريبة، ولكّن مع خروج علي صالح من الحكم، حصلت أمور ذات تأثيرات متداخلة:

الأول: تضخمت الأجسام الغريبة بدون وجود مقاومة من الدولة كما كان سابقاً في عهد صالح، إلى حد أنّها أصبحت تنافس البيئة الاجتماعية.

الثاني: بدأت بعض البيئات الاجتماعية في المناطق الجنوبية استثمار وجود التنظيمات المسلحة، كالقاعدة، في صراعتها المحليّة.

الثالث: استطاع الحوثيّون استغلال فراغ السلطة الناشيء، لتوطيد حضورهم وتوسيع نفوذهم.

الرابع: فقد صالح تدريجياً علاقاته داخل بعض التنظيمات التي أسهم في تأسيسها، أو دعم انتشارها، ولم يعد لديه نفوذ على ما تبقّى لديه من علاقات.

الخامس: فقد صالح الكثير من نفوذه العسكري وقدرته التحشيدية وقاعدته القبليّة، والتي ارتبطت به في الأساس من موقعه الرئاسي وليس لشخصه، كما فقد حليفه الأساسي وإلى حد كبير أهم مصدر نفوذه: المملكة العربية السعودية.

السادس: حصل كل ذلك في بيئة لا تعيرُ للدولة اهتمام، وفي مُناخ صراعات سياسية وعسكرية، لم تعط المجال لأي مشروع يهدف إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة.

وبذلك يُمكن القول بأنّ خروج صالح من الحكم مكّن التنظيمات المسلحّة، ليس لكونه خصماً لها في الأساس، ولكن لكونه مهّد لها ثم فقد القدرة على ضبط إيقاع انتشارها.

ولكّن صالح لم يُدرك المتغيّرات، كما أنّ المراقبين والمحللين لم يدركوها، لذلك بقى يظنّ- كما ظن الكثير منّا- أنه اللاعب الأساسي. هو بالفعل كان لا يزال لاعباً أساسياً، ولكن في النطاق السياسي فحسب، ولم يعد لاعباً مؤثراً في النطاق العسكري، وهو النطاق المؤثر على واقع التنظيمات المسلحة في اليمن؛ كان يُمكنه القيام بالكثير سياسياً، خاصة بعد انتهاء النزاع المسلح في البلاد، ولكن لم يكن لديه ما يقوم به عسكرياً، وبالتالي لم يعد لديه ما يقدّمه في مجال كبح جماح انتشار الجماعات المسلّحة.

لذلك فإنَّ مقتل صالح لا يؤثر على مشهد التنظيمات المسلحة في اليمن، لأنّه كان قد تغيّر بالفعل في حياته، ومنذ خروجه من الحكم؛ ولكّن مقتله سيدفعنا لإعادة النظر في المشهد اليمني وتعقيداته، بدون الضبابيّة التي كان يسببها وجود صالح، واقتناع الكثيرين منّا بأنه لا يزال اللاعب الأساسي سياسياً وعسكرياً.

 

*باحث وكاتب سعودي

إقرأ أيضا

  • ali-dec-207 قتل علي عبد الله صالح: وجبة دسمة تتخم الحوثيين
  • MCD-cover مونت كارلو تستضيف المشاركات في ندوة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة
  • uemen-mesbar القاعدة بعد مقتل صالح… عودة أم انكفاء؟
  • sara-almesbar-2017 الجهادية في أوروبا: عودة إلى أسلوب التجنيد التقليدي

إستفتاء

:يمكن للمجتمعات الإسلامية أن تحجم التطرف وتتعايش مع أبناء الطوائف والاديان الأخرى إذا

أحدث المواضيع

2017.13.Dec

  • MCD-cover

    مونت كارلو تستضيف المشاركات في ندوة تجنيد الأطفال في الصراعات المسلحة

    الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧
  • uemen-mesbar

    القاعدة بعد مقتل صالح… عودة أم انكفاء؟

    الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧
  • sara-almesbar-2017

    الجهادية في أوروبا: عودة إلى أسلوب التجنيد التقليدي

    الإثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧
  • img-2

    المستفيدون من اغتيال صالح

    الخميس ٠٧ ديسمبر ٢٠١٧